محمود أبو رية

364

أضواء على السنة المحمدية

بأنهم خير القرون ! فهم جميعا لم يروا هذين الكتابين حتى كان يعلم رأيهم فيهما ، ولا كيف تلقوهما ! ولنعد إلى العلماء الذين جاءوا بعد هذين الكتابين لنرى موقفهم منهما ، وبماذا قابلوهما : أما المتكلمون : فقد عرف من حالهم أنهم يردون كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ، ولو كان من الأمور الظنية ، فإذا أورد عليهم من ذلك حديث صحيح عند المحدثين أولوه إن وجدوا تأويله قريب المأخذ ، أو ردوه مكتفين بقولهم : هذا من أخبار الآحاد وهي لا تفيد غير الظن ، ولا يجوز البناء على الظن في المطالب الكلامية ، ذلك بأن الأساس في علم الكلام هو دائما أن " الدلائل النقلية لا تفيد اليقين " ( 1 ) ، فمن ذلك حديث : تحاجت الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين . وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ! قال الله تبارك وتعالى للجنة ، أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ! وقال للنار : إنما أنت عذاب أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منهما ملؤها ! فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول ، قط ، قط ، قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا ، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا ا ه‍ . وهذا الحديث متفق عليه أخرجه البخاري ومسلم ( عن أبي هريرة ) عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي رواية أخرى عند البخاري - عن أبي هريرة - بلفظ : اختصمت الجنة والنار إلى ربهما - الحديث - وفيه أنه ينشئ للنار خلقا وفي رواية لمسلم " حتى يضع الله رجله " وذهب المحققون إلى أن الراوي أراد أن يذكر الجنة فذهل فسبق لسانه إلى النار . فهذا الحديث ونظائره - وهي كثيرة - يبعد على المتكلم أن يقول بصحتها فضلا عن أن يجزم بذلك ! وإذا ألجئ إلى القول بصحتها لم يأل جهدا في تأويلها ، ولو على وجه لا يساعد اللفظ عليه بحيث يعلم السامع أن المتكلم لا يقول بجوازه في الباطن ، وقد نشأت بسبب ذلك عداوة شديدة بين المتكلمين والمحدثين يعرفها من نظر

--> ( 1 ) المواقف للإيجي والجرجاني ص 79 طبعة استانبول .